مدارس الحضانة تسحق الأطفال و تجهد عقولهم..

عند دخول أقسام أي مدرسة لرياض الأطفال (Prescolaire  ) اليوم تصطدم أعيننا بوابل من الملصقات والمطبوعات، كل سطح مزين بالحروف الأبجدية، والأرقام، والجدران مليئة بالكلمات واللوحات التعليمية والقواعد الخاصة بتسيير القسم وأيضا القواعد الاجتماعية، والتقويمات، والجداول الزمنية – التي يصعب على طفل عمره أقل من خمس سنوات قراءتها.

لأن عددا قليلا جدا من البالغين يمكنهم تذكر التفاصيل ذات الصلة بمرحلة تمهيدي لرياض الأطفال   الخاصة بهم، يمكن أن يكون من الصعب تقدير مدى التغيير الذي طرأ على مشهد هذا التعليم المبكر على مدى العقدين الماضيين. لا تقتصر التغييرات على تلك الأعمال الفنية المربكة على جدران فصول الحضانات فقط بل تغيرت طرق التدريس والمناهج جدا.

دراسة غربية بعنوان “هل مرحلة الحضانة أصبحت الصف الأول الجديد؟”، قارنت بين معلمات رياض الأطفال على الصعيد الوطني في عام 1998 و 2010. ووجدت الدراسة أن نسبة المعلمين الذين يتوقعون أن الأطفال سيعرفون كيفية القراءة بحلول نهاية العام قد ارتفعت من 30 % إلى 80 %. كما ذكر الباحثون أيضا أن المزيد من الوقت يتم تمضيته مع كراسات التمارين وأوراق العمل، وتخصيص وقت أقل للموسيقى والأنشطة الفنية. وخلصت الدراسة أن مرحلة رياض الأطفال أصبحت في الواقع هي الصف المدرسي الأول الجديد.

حتى وقت قريب، لم يكن الاهتمام بمهارات الاستعداد المدرسي كبير على جدول أعمال أي شخص، ولا كانت الفكرة أنه قد يتم استبعاد هؤلاء التلاميذ الصغار جدا من الانتقال إلى مرحلة لاحقة. لكن الآن هذه الحضانات أصبحت بمثابة حارس البوابة، وليست بساط الترحيب، إلى المدرسة الابتدائية.

الطفل الذي من المفترض أن يقرأ قبل نهاية فترة الروضة أصبح من الأفضل أن يستعد في مرحلة حضانة تمهيدية لرياض الأطفال. ونتيجة لذلك، التوقعات التي قد تكون معقولة للطفل في عمر 5 أو 6 سنوات، مثل القدرة على الجلوس على طاولة وإكمال المهمة باستخدام ورقة وقلم، توجه الآن إلى الأطفال الأصغر سنا، الذين يفتقرون إلى المهارات الحركية ومدى الانتباه للنجاح في ذلك.

أصبحت فصول الحضنة لرياض الأطفال مساحات مشحونة على نحو متزايد، مع معلمين يتوددون للأطفال  للانتهاء من “واجباتهم” قبل أن يتمكنوا من الذهاب للعب. تلاميذ الحضانة التمهيدية الآن يثقلون بتعلم مزيد من المهارات الدراسية في أعمار مبكرة جدا.

بحث جديد  يسلط الضوء على نقطة مثيرة للقلق. تقييم رئيسي لنظام “الحضنة التمهيدية” الممولة من القطاع العام بالولاية، نشرت في سبتمبر، وجد أنه على الرغم من الأطفال الذين حضروا مرحلة تمهيدي لرياض الأطفال بالفعل أظهروا في البداية المزيد من مهارات “الاستعداد للمدرسة” عندما دخلوا رياض الأطفال أكثر من فعل أقرانهم الذين لم يحضروا فصول تمهيدية، لكن بحلول الوقت – كما كشفت الدراسة – يتدهور مستواهم في الصف الأول الابتدائي في المدرسة، وكان أدائهم أسوأ في الصف الثاني في اختبارات قياس مهارات القراءة والكتابة واللغة والرياضيات.

وقال الباحثون أن الاعتماد المفرط على التعليمات المباشرة والمتكررة وأساليب التدريس سيئة التنظيم في مرحلة مبكرة كانوا على الأرجح هم الجناة لأن الأطفال الذين تعرضوا لنفس المهام التدريسية الغير ممتعة سنة بعد سنة بعد سنة بدءوا يفقدوا بشكل يمكن تفهمه حماسهم للتعلم.

التحولات البندولية في التعليم هي قديمة قدم جمهوريتنا. يصف ستيفن مينتز، المؤرخ الذي كتب حول تطور الطفولة الأمريكية، التقلب في روح العصر الوطنية بين مفهوم الطفولة “المحمية” والطفولة “المستعدة”.

في وقت مبكر عام 2000، مجموعة من العوامل دفعت التفضيل في اتجاه مزيد من الإعداد – “الطفولة المستعدة”: منها تزايد أعداد الأسر التي فيها الأب والأم يعملون والتي تسعى جاهدة لترتيب مكان رعاية للطفل في مرحلة مبكرة جدا من عمره، والتركيز الجديد على القدرات المعرفية والإدراكية في السنوات الأولى.

مرحلة تمهيدي لرياض الأطفال هي إضافة حديثة نسبيا إلى النظام التعليمي الأمريكي. مع وجود استثناءات قليلة، الحكومة ليس لديها دور كبير في هذا التعليم المبكر حتى الستينات عندما تم تأسيس برنامج هيد ستارت الاتحادي، وهو برنامج حكومي يوفر للأطفال ذوي الدخل المنخفض في غضون بضعة أسابيع ما هم في حاجة إلى معرفته قبل بدء رياض الأطفال.

قبل دخول الأمهات في القوى العاملة بدوام كامل بأعداد كبيرة، كانت فصول تمهيدي لرياض الأطفال الخاصة غير شائعة، وعملت بشكل رئيسي باعتبارها فقط فضاء اجتماعي آمن للأطفال لتعلم التواصل والتواجد على جنبا إلى جنب مع الآخرين.

لكن في العقود القليلة الماضية، شهدنا انتقال رئيسي لرعاية الأطفال والتعليم المبكر من المنزل إلى المؤسسة: ما يقرب من ثلاثة أرباع الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 3 و 5 سنوات هم الآن في نوع من الرعاية الغير عائلية. ويبدو أن الفارق بين التعليم التمهيدي المبكر والتعليم المدرسي الرسمي أنه يتآكل.

ينبغي أن يكون التركيز الحقيقي في سنوات تمهيدي لرياض الأطفال ليس على المفردات والقراءة، ولكن على الحديث والاستماع. نحن ننسى مدى أهمية العفوية والمحادثة الغير مرتبة بالنسبة لفهم الأطفال الصغار، من خلال الحديث مع البالغين وأطفال آخرين هم يلتقطون معلومات ويتعلمون كيفية عمل الأشياء.

يلعب المعلمون دورا حاسما في دعم هذا النوع من التعلم. للأسف، الكثير من المحادثات في فصول تمهيدي لرياض الأطفال اليوم هي أحادية الاتجاه، ويرشد المعلمون التلاميذ من خلال جدول منظم للغاية، ينتقل بهم من نشاط إلى آخر، ويظهر الموافقة بكلمة سريعة: “عمل جيد”.

بالنظر في الفرق بين استخدام المعلم لتعبير مغلق مقابل سؤال مفتوح: تخيل أن معلم يقترب من طفل يرسم صورة ويصيح، “يا له من بيت جميل!”. إذا كان الطفل في الواقع لا يرسم منزل، قد يشعر الطفل بالارتباك، وحتى لو رسم منزل، تعليقات المعلم أغلقت المساحة لمزيد من المناقشة: المعلم وصف الشيء، وأبدى إعجابه به.. لا يوجد هناك ما يضاف؟.

بينت نتائج دراسة أمريكية لـ 700 من الحضانات التمهيدية لرياض الأطفال في 11 دولة أن 15 % فقط أظهروا أدلة على التفاعل الفعال الحيوي بين المعلم والطفل.

ومن أجل إتباع نهج مفيد أكثر يمكن أن يقول: “أخبرني عن رسمتك”، وهذه دعوة للطفل ليكون معبرا. لا ينبغي استباق معرفة كل شيء يحتاج طفل صغير إلى تعلمه، لذلك الاستفسارات المفتوحة يمكن أن تكشف ما هو معروف وغير معروف. مثل هذا الفارق التربوي الصغير يمكن أن يكون حافزا هاما لعادة أساسية معرفية- فعل التفكير بصوت عال.

gszfaer

المحادثة نهج ذهبي في نظام التعليم المبكر، حيث كفاءتها وقيمتها أكبر بكثير من معظم مناهج مهارات التعلم التي ننفذها القائمة على المطبوعات والتكرار.

وبطبيعة الحال، التحول من أسلوب تعليم قائم على التحفيز والاستكشاف في مرحلة الطفولة المبكرة إلى نموذج  قائم أكثر على التعليمات والخطوات المكتوبة لا ينطوي على الموازنة البسيطة بين اللعب والعمل، أو بين الفرح والإنجاز.

الاستيلاء الأكاديمي على التعليم المبكر الأميركي يمكن فهمه على أنه تحول من ما يمكن تسميته بـ “منهج قائم على الأفكار” إلى “منهج قائم على تسميات وملصقات”. وليس من قبيل الصدفة، أن هذا الأخير يتم  إيصاله دون تحسن كبير في مستوى المعلمين.

ينبغي علينا النظر إلى النظام التعليمي الفنلندي كمصدر للإلهام. أفادت تقارير أن البلاد أضفت الاحترافية بشكل جذري على قوتها العاملة في مجال التدريس في السبعينات وتخلت عن معظم معايير الأداء التقليدية المستوطنة في التعليم الأمريكي. اليوم، يتم تصنيف مدارس فنلندا باستمرار بين أفضل المدارس في العالم.

gvzfadf

هذا ما ستقوله تجربة الفنلنديين، الذين لا يبدؤون في تعليم الطفل القراءة رسميا حتى حوالي سن السابعة، حول إعداد الأطفال في مرحلة الحضانات التمهيدية: “أساس بدايات القراءة والكتابة هو أن الأطفال قد سمعوا وأنصتوا .. تحدثوا وتم التحدث إليهم ونقاش الأشياء معهم، طرحوا الأسئلة وتلقوا الأجوبة”. بالنسبة لتلاميذنا الصغار، هل يوجد ما هو أكثر أهمية من ذلك!.

↑ Back To Top ↑